السيد محمد بن علي الطباطبائي

293

المناهل

قوله تعالى : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا » و : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » يقتضى الصّحة هنا فيخصّص بها الأصل المتقدم إليه الإشارة لكونها اخصّ منه مط وأقوى منه دلالة قطعا وهذا هو مراد المنتهى من الأصل لانّا نقول هذه العمومات مدفوعة بالنّهى الوارد في النّص سواء قلنا بأنّه يقتضى الفساد في المعاملات أم لا اما على الأوّل فواضح وامّا على الثّاني فلانّ النهى المذكور يمنع من شمول تلك العمومات الذي هو مقتضى الصّحة لمحلّ البحث وذلك لامتناع اجتماع حلية البيع التي هي مفاد الآية الأولى مع حرمته الَّتي هو مقتضى النّهى المذكور وامتناع وجوب الوفاء بالعقد الذي ثبت حرمته كما صرّح به جدى ق ره في بعض فوايده وإذا لم تشتمل العمومات المذكورة لمحلّ البحث انتفى مقتضى الصّحة فيبقى اصالة الفساد سليمة عن المعارض فيجب المصير إليه كما حكى عن بعض العامة محتجا بالنّهى على ما يظهر من المنتهى وهو احتجاج في غاية الجودة ولكن قد يجاب عنه أولا بالمنع من اقتضاء النّهى الفساد في المعاملات كما حقّق في الأصول وبالمنع من امتناع وجوب الوفاء بالعقد المحرم لاختلاف متعلَّق الامر والنّهى كما لا يخفى فان متعلق النهى نفس ايقاع العقد والاتيان بهذا الفعل وليس هذا متعلَّق الامر بالوفاء في شئ بل انّما يتعّلق بالعقد الواقع حراما كان أو مباحا ولا يمنع عقلا ولا شرعا ولا عادة وجوب الوفاء بالعقد وإن كان حراما ولا يمكن ان يقال المتبادر من الآية الشريفة العقد الحلال لانّ لفظ العقود جمع معرف باللَّام وهو موضوع للعموم ومن القواعد المقررة ان العمومات لا تنصرف إلى الافراد الشّايعة فالآية تشمل محلّ البحث فيثبت مقتضى الصّحة فيجب الحكم بها ويعضد ذلك عدم ظهور قايل من الأصحاب بالفساد هنا بل الظ عدمه والا لنقل ولم أجد أحدا أشار إليه بوجه وثانيا بان الاحتجاج المذكور لو تم فانّما يتمّ لو كان متعلق النهى المذكور نفس البيع وهو ممنوع بل متعلَّقه نفس السمسرة والتّولية والتوكل للبادي وذلك امر خارج عن البيع والنهى إذا تعلق بالخارج لا يقتضى الفساد وان قلنا باقتضائه الفساد في المعاملات كما أشار إليه في الرّياض الَّا ان يقال هو ح يقتضى فساد الوكالة والسمسرة والتولية بناء على كون النهى يقتضى الفساد في المعاملات وإذا فسدت كان عقد الحضري للبادي من غير توكيل شرعي فيلزم كونه فاسدا خصوصا على القول ببطلان معاملة الفضولي وفيه نظر وكيف كان فالأقرب ما عليه الأصحاب الحكم بالصّحة السّادس صرّح في المنتهى بأنّه لو أشار الحاضر على البادى من غير أن يباشر البيع فالوجه الكراهية محتجّا بانّ التّعليل يتناوله فيدخل تحت النّهى وهو جيّد القول في العوضين منهل اختلف الأصحاب في توقّف صحّة بيع ما يقصد طعمه أو رائحته ولا يفسده الاختبار كالعسل والدّبس والمسك وماء الورد على اختباره بالذوق أو الشم على قولين الأول انه يتوقّف عليه ولا يصح الا به وهو للمحكى في المهذب والمقتصر عن الشيخين والحلبي والدّيلمى والقاضي وابن حمزة الثاني انّه لا يتوقّف عليه ويصّح بدونه وهو للنّافع ويع وشاد وعد وير ولف والايضاح وس وعة وجامع المقاصد وضة ولك والمختصر ومجمع الفائدة والكفاية وض بل صرح في جامع المقاصد بأنه المش بين الأصحاب للاوّلين وجهان أحدهما اصالة الفساد بدون الاختبار وثانيهما انّ البيع بدون الاختبار غرر وقد روى عن النّبى ( ص ) النهى عن الغرر وقد يناقش في كلا الوجهين امّا في الأوّل فباندفاعه بادلَّة القول الثاني وامّا في الثّاني فأولا بالمنع من المقدّمة الأولى لانّه معلوم الوصف من حيث الطبيعة فان العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول والأصل عدم سبب خارجي مزيل لحكم الطَّبيعة فلا غرر كما في الاغرار إذا اكتفى برؤية ما يدلّ بعضه على باقيه كظاهر الصبرة وانموذج المتماثل وثانيا بالمنع من المقدمة الثانية والرواية المذكورة لا تنهض باثباتها لضعفها سندا وقصورها دلالة لا يقال قامت الادلَّة على أن الجهالة في البيع مفسدة لانّا نقول لا نسلم كلية الكبرى إذ ليس المراد بأصل شرط العلم بالبيع ان يرتفع الجهالة عنه بكل وجه وقد أشير إلى ما ذكر في القواعد والايضاح وجامع المقاصد ولك والروضة والرياض وللآخرين وجوه منها العمومات الدّالة على حل البيع والاكل بالتّجارة ولزوم الوفاء بالعقود والشّروط وسلطنة المالك على ملكه مط والأصل عدم تخصيصها في محلّ البحث ومنها انّ الاختبار بذلك لو كان شرطا شرعا لاشتهر لتوفّر الدّواعى عليه والتالي بط فالمقدم مثله ومنها انّ الاختبار بذلك يفضى إلى اتلاف شئ كثير من مال البايع فيحصل الضرّر به لو كان شرطا والأصل عدمه لعموم ما دلّ على نفى الضّرر في الشّريعة ومنها ما ذكره في جامع المقاصد من أن بعض الأصحاب صرح بوجود رواية تقتضى الصّحة من غير اختبار ولا وصف مع التّراضى على ذلك وهى وإن كانت ضعيفة بالارسال الا ان ذلك منجبر بالشّهرة الَّتي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف ويؤيده أولا بأنه قد يدعى نفيه كما أشار إليه والدي العلامة مدّعيا ظهور عبارة الشّيخين والقاضي في القول الثّاني وثانيا مجملة على إرادة نفى اللزوم من نفى الصّحة التي في كلام غيرهم ممّن ظاهرهم المخالفة معللا بشيوع استعمال ذلك في عبارة القدماء وبشهادة بعض القرائن به فاذن المعتمد هو القول الثّاني وينبغي التّنبيه على أمور الأوّل هل يصح ابتياع الجنس المفروض من غير اختبار ولا وصف فلا يكونان شرطين في الصّحة أو لا يصح الا بأحد الامرين فلو خلا عنهما فسد اختلف الأصحاب في ذلك فالعلَّامة والشّهيدان على أنه لا يتوقّف على شئ من الامرين ويصح بدونهما وهو المعتمد للعمومات المتقدّمة وحكى عن بعض القول بالتّوقف على أحد الامرين قيل هو منقول عن الشّيخين وسلَّار والتّقى والقاضي وابن حمزة والأوّل مذهب المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما الثاني هل يجب الاختبار بالذوق والشم تعبدا بمعنى ترتب الاثم على تركه دون الفساد أو لا الظ من المعظم الثّاني وربما يظهر من النّهاية والمحكى عن المفيد والقاضي الأول وهو ضعيف للأصل المؤيد بندرة الوجوب التعبدي في أمثال المفروض لا يقال تعارض ما ذكر خبر محمّد بن العيص قال سئلت أبا عبد اللَّه ( ع ) عن رجل يشترى ما يذاق ايذوقه قبل ان يشتريه قال نعم فليذقه ولا يذوق ما لا يشترى لانّا نقول هذا لا يصلح للمعارضة لضعفه سندا وقصوره دلالة لظهور كون الامر بالذوق هنا وارادا مورد توهّم الحظر وهو ح لا يفيد الا الإباحة كما بيّناه في كتبنا الاصوليّة الثّالث إذا أريد ابتياع الجنس المفروض